وادي الرمال من فوق: جسر سيدي مسيد، ولماذا تُقرأ قسنطينة من الخانق لا من الشارع
كم يعلو جسر سيدي مسيد فوق وادي الرمال ومن صمّمه ومتى فُتح، وكم جسرًا فوق الخانق فعلًا حين يتناقض المصدر مع نفسه، وأيّها يُعبر مشيًا — ومن أين يُصوَّر الخانق، وما الذي لم نستطع تأكيده.
- الموقع
- خانق وادي الرمال، قسنطينة
- التصنيف
- على الطريق
- أفضل وقت
- سبتمبر، قبل التاسعة
- مدة الزيارة
- نصف يوم
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

الخانق أوّلًا: ما الذي في الصورة
ما تراه في هذه الصورة خانق لا مدينة: وادي الرمال، المحفور في صخر كلسي صلب، والجسر المعلّق الذي يعبره عند أعلى نقطة فيه. المدينة نفسها بالكاد داخل الإطار، وهذه المادّة عن الخانق وجسوره لا عن قسنطينة عمومًا.
والعمق عند نقطة العبور رقم منشور لا تقدير: يقدَّر ارتفاع جسر سيدي مسيد بـ١٧٥ مترًا فوق مجرى الوادي، وهو الرقم الذي تحمله ويكيبيديا العربية في مقالة «قسنطينة»، وتسجّله ويكي بيانات في خانة الارتفاع للجسر نفسه، وتؤكّده ويكيبيديا الإنجليزية بالصيغة نفسها. ثلاثة سجلّات على رقم واحد.
وتضيف ويكيبيديا العربية في مقدّمة مقالتها عن المدينة أنّ الجسور تعلو وادي الرمال «على ارتفاعات تفوق ٢٠٠ متر». نطبع العبارتين معًا: ١٧٥ مترًا عند سيدي مسيد تحديدًا، وأكثر من ٢٠٠ متر كوصف عامّ للمجموعة.
والمدينة القديمة نفسها تجلس على صخرة كلسية صلبة، وهذا سبب لقبها «مدينة الصخر العتيق». وتصف ويكيبيديا الفرنسية الموضع بدقّة: هضبة صخرية على ارتفاع ٦٤٩ مترًا، مقطوعة عمّا حولها بخوانق عميقة يجري فيها وادي الرمال، تعزلها شرقًا وشمالًا عن جبلَي الوحش وسيدي مسيد.
ويعطي أرشيف Open-Meteo ارتفاع النموذج الرقمي عند إحداثيات المدينة ٦٠٧ أمتار، وهو قريب بما يكفي من رقم ويكيبيديا الفرنسية ليُقرأ معه لا ضدّه. وتضيف الفرنسية أنّ الموقع يعلو حوض الحامّة غربًا بثلاثمئة متر.
وسبب اختيار هذا الموضع، كما تقوله الفرنسية صراحةً، دفاعي قبل كلّ شيء. الخانق ليس منظرًا أُضيف إلى مدينة — هو السبب في أنّ المدينة هنا.
أبريل ١٩١٢: من صمّمه، وكم طول الباع
فُتح جسر سيدي مسيد للمرور في ١٩ أبريل ١٩١٢، ومصمّمه المهندس الفرنسي فرديناند آرنودان — وهذا ما تسجّله ويكيبيديا الإنجليزية بالتاريخ الكامل. وتتّفق معها ويكيبيديا العربية على السنة والمصمّم، وتضيف تفصيلًا: بدأ البناء سنة ١٩٠٩ على يد المهندسين الفرنسيين رابي وسويلار اللذين استعانا بشركة آرنودان، واستغرق ثلاث سنوات.
والطول موضع خلاف صغير بين المصدرين: تعطي ويكيبيديا الإنجليزية طولًا كلّيًّا ١٦٤ مترًا وباعًا رئيسيًّا ١٦٠ مترًا، وتسجّل ويكي بيانات ١٦٤ مترًا، بينما تعطي ويكيبيديا العربية ١٦٨ مترًا. الفارق أربعة أمتار، ونحن ننشر الرقمين.
أمّا الادّعاء الأشهر عن هذا الجسر فنسوقه منسوبًا لا مقرَّرًا: تقول ويكيبيديا الإنجليزية إنّه كان أعلى جسر في العالم، وإنّه بقي كذلك حتّى افتُتح جسر رويال غورج في كولورادو في نوفمبر ١٩٢٩. وتكتفي ويكيبيديا العربية بأنّه أعلى جسور المدينة والأعلى في إفريقيا.
وسبعة عشر عامًا هي إذن المدّة التي حمل فيها هذا الجسر اللقب العالمي، إن صحّ ما ينقله المصدر الإنجليزي. وهي مدّة تستحقّ الذكر لأنّها تضع بناءً استعماريًّا في مدينة جزائرية عند حدود ما كانت الهندسة قادرة عليه سنة ١٩١٢.
وما يربطه الجسر محدَّد: يصل نهج القصبة بمستشفى قسنطينة على جبل سيدي مسيد، أي أنّه ليس معبرًا زخرفيًّا بل شريان خدمة. وهذا هو البرج الحجري بطرازه القوطي الجديد الذي تراه إلى يسار الصورة.
وإلى جانبه في المدينة جسر حجري لا يقلّ إثارة: جسر سيدي راشد، صمّمه المهندس الفرنسي أوبان إيرو، يحمله ٢٧ قوسًا يبلغ قطر أكبرها ٧٠ مترًا، وعلوّه ١٠٥ أمتار وطوله ٤٤٧ مترًا وعرضه ١٢ مترًا، وبدأت حركة المرور به سنة ١٩١٢ أيضًا — أي في السنة نفسها التي فُتح فيها المعلَّق.
ولك أن تقيس ما فعلته سنة واحدة بهذه المدينة: جسران فُتحا سنة ١٩١٢، أحدهما معلَّق بكابلات فوق الخانق، والآخر قائم على أقواسه الحجرية. سنة واحدة، وحلّان هندسيّان متضادّان تمامًا للمشكلة نفسها — وهذا هو ما يجعل قسنطينة متحفًا مفتوحًا لهندسة الجسور لا مجرّد مدينة فيها جسور كثيرة.
مدينة الجسور: كم جسرًا، وأيّها يُعبر مشيًا
الجواب الصادق هو أنّ العدد المنشور غير مستقرّ، والمصدر نفسه يناقض نفسه: تقول ويكيبيديا العربية في فقرة الجسور إنّه «أُقيمت عليها سبعة جسور»، ثمّ تسرد تسعة بأسمائها؛ وتقول في مقدّمة المقالة نفسها إنّ قسنطينة «تضمّ أكثر من ٨ جسور». نطبع التناقض بدل أن نختار منه رقمًا.
والتسعة المسرودة هي: باب القنطرة، وسيدي راشد، وسيدي مسيد، وملّاح سليمان، ومجاز الغنم، وجسر الشيطان، وجسر الشلّالات، وجنان الزيتون، وجسر قسنطينة العملاق المعروف بجسر أحمد باي. ويضيف السجلّ الفرنسي جسرًا عاشرًا: فيادوك صالح باي المفتوح للمرور في ٢٦ يوليو ٢٠١٤.
أمّا الجسر الذي يُعبر مشيًا فواحد بالتحديد: ممرّ ملّاح سليمان، المسمّى سابقًا بيريغو، وهو ممرّ حديدي مخصَّص للراجلين وحدهم، بُني بين سنة ١٩١٧ وسنة ١٩٢٥. وتضيف ويكيبيديا الفرنسية خصوصيّته التي تهمّ الزائر: يُبلَغ من جهة «الصخرة» عبر مصعد ودرج ينزل بالراجلين إلى مستوى نهج الطريق الجديد.
وثمّة رقم منشور لا نستطيع تبنّيه: تعطي ويكيبيديا العربية لممرّ ملّاح سليمان طولًا قدره ١٥ مترًا وعرضًا مترين ونصفًا. العرض معقول، أمّا الطول فلا يتّسق مع ممرّ يعبر خانقًا، وننقله منسوبًا مع هذا التحفّظ بدل أن نمرّره صامتين.
وجسر واحد من القائمة مغلق: تذكر ويكيبيديا الفرنسية أنّ جسر أركول، وهو جسر حديدي، مغلق اليوم. ومن الأسماء ما هو وصفي لا هندسي: جسر الشيطان جسر صغير يربط ضفّتي الوادي في أسفل الأخدود، وجسر الشلّالات بُني سنة ١٩٢٨ ويعلو مياهًا تكوّن شلّالات تحته.
وأقدم الجسور ليس أيًّا من هذين: جسر باب القنطرة، الذي بناه الرومان ثمّ رمّمه الأتراك سنة ١٧٩٢، ثمّ هدمه الفرنسيون ليبنوا على أنقاضه الجسر القائم اليوم سنة ١٨٦٣ — من ويكيبيديا العربية. أي أنّ العبور من هذه النقطة بالذات ممارسة عمرها ألفا سنة تقريبًا، وأنّ ما تعبره اليوم هو النسخة الثالثة من الفكرة نفسها.
والجسر الذي يشغل الصورة التي تقرأ فوقها هو سيدي مسيد وحده. وأكثر صور قسنطينة المتداولة تخلط بينه وبين سيدي راشد الحجري، وهما مختلفان تمامًا: الأوّل معلَّق بكابلات، والثاني قائم على سبعة وعشرين قوسًا.
سبعة في فقرة، وتسعة في القائمة نفسها، وأكثر من ثمانية في المقدّمة. حين يتناقض المصدر مع نفسه، الأمانة أن يُطبع التناقض لا أن يُختار منه رقم.
من أين يُصوَّر: المصعد، والتلفريك، وممرّ لم نستطع تأكيده
أوضح مطلّ عامّ على الخانق هو التلفريك: خطّ طوله ٢٬٣ كيلومتر يعبر خوانق وادي الرمال ليربط شرق المدينة عند ساحة تطاش بلقاسم بغربها عند حي الأمير عبد القادر مرورًا بالمستشفى الجامعي بن باديس. وتذكر ويكيبيديا الفرنسية أنّه يعمل منذ سنة ٢٠١٠، وأنّه يضمّ ٣٣ مقصورة سعة كلّ منها ١٥ راكبًا، وأنّ الرحلة بين الطرفين تستغرق ثماني دقائق.
والمطلّ الثاني هو المصعد المؤدّي إلى ممرّ ملّاح سليمان من جهة الصخرة، وهو الوصف الذي تحمله ويكيبيديا الفرنسية. الممرّ نفسه للراجلين وحدهم، فهو المكان الذي يمكن أن تقف فيه ساكنًا فوق الخانق من دون أن تعترض سيّارة.
والثالث هو جبل سيدي مسيد نفسه، الذي يرتفع فوق المدينة ويحمل المستشفى الذي ينتهي إليه الجسر المعلَّق. من هناك يُرى الجسر من الجانب لا من فوقه، وهي الزاوية التي تُظهر البرج والكابلات معًا كما في صورة هذه المادّة.
أمّا مسار قاع الخانق المعروف بـ«ممرّ السيّاح» فلم نتمكّن يوم ٨ أغسطس ٢٠٢٦ من العثور على إعلان صادر عن ولاية قسنطينة أو عن بلديّتها يحدّد ما إذا كان المسار مفتوحًا اليوم. ولذلك لا تقول لك هذه المادّة انزل إليه ولا لا تنزل — تقول إنّ حالته غير مؤكَّدة لدينا، وإنّ الجهة التي تملك الجواب هي الولاية والبلدية.
والمسار في قاع خانق عمقه مئة وخمسة وسبعون مترًا ليس درب نزهة يُجرَّب: صفحة تُرسل قارئًا إلى ممرّ حجري قد يكون مغلقًا لسبب هندسي هي صفحة تتحمّل نتيجة ذلك.
سبتمبر: ٣٠٫٨ درجة، وقبل أمطار الهضاب العليا
في سبتمبر ٢٠٢٥ بلغ متوسّط الحرارة العظمى في قسنطينة ٣٠٫٨ درجة مئوية ومتوسّط الصغرى ١٧٫٢، وسقط ٣٦٫١ مليمترًا من المطر على سبعة أيّام.
والساعة هنا أهمّ منها في أيّ مادّة أخرى في هذه الحزمة، لأنّ الخانق ضيّق والضوء فيه يتغيّر بسرعة: ١٧٫٥ درجة عند السادسة صباحًا، و٢٦٫١ عند العاشرة، و٣٠٫٢ عند الواحدة بعد الظهر، ثمّ ٢٣٫٩ عند السابعة مساءً. أي أنّ الصباح الباكر أبرد بثلاث عشرة درجة من الذروة.
وقبل التاسعة تحديدًا يكون جدار الخانق الشرقي في الظلّ والغربي في الشمس، وهذا هو التباين الذي يجعل الصورة قابلة للقراءة. بعد الظهر يصير الجداران مضاءين بالتساوي فيفقد العمق شكله تمامًا.
أمّا لماذا سبتمبر لا ما بعده، فالأمطار تجيب: في أكتوبر ٢٠٢٥ سقط ٣٨٫٤ مليمترًا على ثمانية أيّام، وفي نوفمبر ٥٣٫٥ مليمترًا على اثني عشر يومًا، وفي ديسمبر ٥٠٫١ مليمترًا على سبعة أيّام. أي أنّ عدد أيّام المطر في نوفمبر يقارب ضعف نظيره في سبتمبر.
ولم نجد إعلانًا من ولاية قسنطينة يسمّي الشهر الذي يصير فيه مسار قاع الخانق غير موثوق، فلا نسمّيه نحن. والأرقام وحدها تقول إنّ نوفمبر أكثر شهور الخريف بللًا في المدينة، وإنّ الصخر الكلسي المبلَّل زَلِق بطبيعته.
وللمقارنة مع الشهر الذي يسبقه مباشرةً: في أغسطس ٢٠٢٥ بلغ متوسّط العظمى في قسنطينة ٣٤٫٥ درجة وذروته ٣٩٫٨، ولم يسقط سوى ٥٫٥ مليمترات على يوم واحد. أي أنّ سبتمبر أبرد بنحو أربع درجات وأكثر بللًا بستّة أيّام. والمقايضة هنا واضحة لمن يصوّر: ساعة صباحية واحدة في سبتمبر تعطيك ما لا يعطيه يوم كامل في أغسطس، لأنّ الضوء لا الحرارة هو ما يصنع الخانق.
والخلاصة العملية: سبتمبر، وقبل التاسعة، والتلفريك أوّلًا لأنّه يعطيك مقياس الخانق كلّه في ثماني دقائق، ثمّ سيدي مسيد مشيًا، ثمّ ممرّ ملّاح سليمان بالمصعد. وعدد سكّان المدينة ٤٦٥٬١٣٨ نسمة حسب حزمة المعطيات لدينا، وهي كثافة تُشعَر بها على الجسور في ساعة الذروة أكثر ممّا تُشعَر في الشارع.



